عماد الدين خليل
11
المستشرقون والسيرة النبوية
فالمستشرق بين أن يكون علمانيا ، ماديا ، لا يؤمن بالغيب ، وبين أن يكون يهوديا أو نصرانيا لا يؤمن بصدق الرسالة التي أعقبت النصرانية . . وإذ كانت السيرة ، في تفاصيلها وجزئياتها ، تنفيذا تاريخيا لعقيدة الإسلام ذات المرتكزات الغيبية ، بل ذات التداخل بين المغيّب والمنظور في السدى واللحمة ، وإذ كانت بمثابة دعوة سماوية أخيرة ، جاءت لكي توقف النصرانية المحرّفة عن العمل وتحلّ محلّها ، بما تتضمّنه من عناصر الديمومة والحركية والاكتمال . . فإنّ ثمّة جدارا فاصلا يقف بين المستشرقين - سواء أكان من الصنف الأول ، أم من الصنف الثاني - وبين فهم السيرة . ومهما أعمل المستشرق قدراته العقليّة ، ومهما اجتهد في تحليلاته المنطقيّة ، ومهما استنفر إمكاناته التقنيّة وحاول الإفادة مما يسمى بالعلوم المساعدة أو الموصلة للحقيقة التاريخيّة ، ومهما ادعى من حياد وموضوعيّة ، فإنه غير واصل البتّة إلى تقديم صيغة أقرب إلى الكمال لسيرة رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم . ولن يكون غريبا ، أو يعد تجاوزا على الواقع ، القول : إن أعمال المستشرقين في السيرة ، على تألّق بعضها وعمقه وغنائه ، لا يمكن أن ترقى بحال إلى المصاف الأول من الأبحاث الجادة ، ولا يمكن إلّا أن تظلّ في الخطّ الثاني أو الثالث ، وربما العاشر ، إذا وجد المستشرق نفسه ينساق بفجاجة وراء تعصبه النصراني كما فعل لامانس ، أو وراء تصوّره المادي للكون والعالم والحياة كما فعل بندلي جوزي . . إنها لا تغدو أبحاثا حين ذاك ولكن عبثا بمقدساتنا باسم العلم ، وتحويلا للسيرة لكي تكون حقلا لتجارب العقل النقدي الغربي « 1 » ونحن يجب أن نرفض التعامل مع هذا العبث وأن نرفض حتى النظر فيه .
--> ( 1 ) انظر على سبيل المثال : مونتغومري وات : محمد في مكة ، الصفحات 166 - 178 ، 183 - 189 ، 233 - 235 .